محمد بن جرير الطبري
198
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
معنى هذا القول بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ قال : إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف . حدثني إسماعيل بن موسى السدي ، قال : أخبرنا شريك ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن مجاهد لِإِيلافِ قُرَيْشٍ قال : نعمتي على قريش . حدثني محمد بن عبد الله الهلالي ، قال : ثنا فروة بن أبي المغراء الكندي ، قال : ثنا شريك ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : ثنا خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة ، قال : ثني أبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ قال : نعمتي على قريش . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : قد قيل هذا القول ، ويقال : إنه تبارك وتعالى عجب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : أعجب يا محمد لنعم الله على قريش ، في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف . ثم قال : فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك ؛ يستدل بقوله : فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ وكان بعض أهل التأويل يوجه تأويل قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إلى ألفة بعضهم بعضا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ فقرأ : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ إلى آخر السورة ، قال : هذا لإيلاف قريش ، صنعت هذا بهم لألفة قريش ، لئلا أفرق ألفتهم وجماعتهم ، إنما جاء صاحب الفيل ليستبيد حريمهم ، فصنع الله ذلك . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن هذه اللام بمعنى التعجب . وأن معنى الكلام : اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف ، وتركهم عبادة رب هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع ، وآمنهم من خوف ، فليعبدوا رب هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع ، وآمنهم من خوف . والعرب إذا جاءت بهذه اللام ، فأدخلوها في الكلام للتعجب اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها ، كما قال الشاعر : أغرك أن قالوا لقرة شاعرا * فيا لأباه من عريف وشاعر فاكتفى باللام دليلا على التعجب من إظهار الفعل ؛ وإنما الكلام : أغرك أن قالوا : اعجبوا لقرة شاعرا ؛ فكذلك قوله : لِإِيلافِ وأما القول الذي قاله من حكينا قوله ، أنه من صلة قوله : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ فإن ذلك لو كان كذلك ، لوجب أن يكون " لإيلاف " بعض " ألم تر " ، وأن لا تكون سورة منفصلة من " ألم تر " ؛ وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى ، ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك . ولو كان قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ من صلة قوله : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لم تكن " ألم تر " تامة حتى توصل بقوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ لأن الكلام لا يتم إلا بانقضاء الخبر الذي ذكر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : " إلفهم رحلة الشتاء والصيف " يقول : لزومهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبى ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ قال : نهاهم عن الرحلة ، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت ، وكفاهم المئونة ؛ وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف ، فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف ، فأطعمهم بعد ذلك من جوع ، وآمنهم من خوف ، وألفوا الرحلة ، فكانوا إذا شاءوا ارتحلوا ، وإذا شاءوا أقاموا ، فكان ذلك من نعمة الله عليهم . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثني